الأحد، 10 يوليو 2016

السود في الثقافة اليهودية


سمير الساعدي. saidi.samir89@gmail.com
توطئة:
لعبت بعض الأديان دورا كبيرا في تكون ظاهرة الصراع الإثني ونموها واستمرارها، لاسيما بعض الديانات التي تنعت بانها "سماوية" حيث كان لها تأثير قوي في الحضارات الإنسانية الكبرى، والتي شملت كل الشعوب والمجتمعات بكل بقاع العالم، ومنها الشعوب والمجتمعات التي عاشت ببلاد المغرب والتي أسست كثيرا من تصوراتها العقدية وأنساقها الاجتماعية والثقافية والقيمية على تعاليم هذه الديانات وفلسفتها.
ولذلك لا يمكن فهم ظاهرة الصراع الإثني المبني على التمييز في لون البشرة القائمة لحد الآن ببلادنا إلا بالعودة إلى ما حملته الديانات السماوية الثلاثة (اليهودية والمسيحية والإسلام) في هذا المجال من تصورات وتمثلات كما جاءت في كتبها وتفاسيرها وممارساتها.
 وسنبدأ مشروعنا القائم على استنطاق هذه الديانات؛ باليهودية كونها أقدم ديانة "سماوية" عرفتها البشرية
-         السواد عاهة مستديمة في سفر التكوين:
زَرَعت الكتب الدينية (التلمود خاصة) في الشعب اليهودي الاعتقاد بأنهم متميزون ومعتبرون عند الله بوصفهم "شعب الله المختار"، بينما الأغيار[1] يتخلفون عنهم من حيث المكانة الاعتبارية التي يحظون بها عند خالق الكون.  
ولهذا اتخذت صورة الأغيار ـ في عمومها ـ طابعا سلبيا في الثقافة اليهودية، حتى أن تعاليم التلمود صورتهم كحيوانات متوحشة خلقوا على هيأة إنسان ليكونوا لائقين ومهيئين لخدمة اليهودي الذي خلقت الدنيا من أجله[2].
أما السواد في نظر العقيدة اليهودية، فهي قرينة اللعنة التي تلقاها "حام" من والده نوح، فحكمت عليه بالشقاء الأزلي وبنقص المكانة الاعتبارية إلى يوم يبعثون. ولقد تحدثت التوراة عن سُكر نوح وتعريه داخل خبائه فأبصره ابنه الصغير حام، وأخبر أخويه بما رأته عيناه فجاءا بظهريهما وسترا أباهما، فلما أفاق نوح من سكرته وعلم ما فعل ابنه حام دعا له باللعنة. جاء في سفر التكوين، الإصحاح التاسع ما يلي: " وكان بنو نوح الذين خرجوا من الفلك ساما وحاما ويافَث، وحام هو أبو كنعان[3]. هؤلاء الثلاثة هم بنو نوح، ومن هؤلاء تشعبت كل الأرض. وابتدأ نوح يكون فلاحا وغرس كرْما، وشرب من الخمر فسكِر وتعرى داخل خبائه، فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه، وأخبر أخويه خارجا، فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه على أكتافهما ومشيا إلى الوراء وسترا عورة أبيهما ووجهاهما إلى الوراء، فلم يبصرا عورة أبيهما، فلما استيقظ نوح من خمره علم ما فعل به ابنه الصغير.. فقال له ملعون كنعان عبد العبيد يكون لإخوته"[4].
إن اللعنة التي ابتلي بها حام طالت كل سلالته من بعده، فيحكم عليهم بالشقاء والبؤس والعبودية الأبدية.وبالإضافة إلى كل ذلك؛ يشكل نسل حام أكبر أعداء شعب إسرائيل كما جاء في سفر التكوين "وبنو حام: كوش ومصرايم وفوط وكنعان، وبنو كوش؛ سبا وحويلة وسبتة ورعمة وسبتكا. وبنو رعمة؛ شبا وددان، وكوش ولد نمرود[5] الذي ابتدأ يكون جبارا في الأرض، الذي كان جبار صيد أمام الرب. لذلك يقال "كنمرود جبار صيد أمام الرب" وكان ابتداء مملكته ببابل وأرك وأكد وكلنة في أرض شنعار"[6].
لقد قدم نسل حام، بوجه عام حسب التفسيرات التي أعطيت لآيات العهد القديم التي تحدثت عن الحاميين، شعوبا وأمما مقاومة لعمل الله ولشعبه، لذا جاء هذا الكتاب يعلن العقوبة الإلهية عليها، وجعلها رموزا للشر. فكوش كانت تشير إلى ظلمة الجهالة ولسواد الخطيئة، في الوقت الذي كانت في مصر تشير إلى محبة العالم التي تستعبد النفس.
من خلال ما سلف، فأبناء حام ـ حسب سفر التكوين ـ هم من السود، ولون السواد رمز اللعنة والسخط والرفض والعبودية، وعلامة على الجبروت والطغيان والكفر ومعصية الله. وبذلك ـ حسب العهد القديم ـ لا يكون سواد الوجه حالة بيولوجية طبيعية ناتجة عن تأثير المناخ في بشرة الإنسان كما يرى بعض المؤرخين، وإنما هو مسخ ولعنة ابتليت بها ذرية كنعان ابن حام بسبب خطأ هذا الأخير في حق النبي نوح.
ومن ثمة، فصورة السود في الثقافة اليهودية سلبية في مجملها، وتعد تجلّيا لكل الصفات المذمومة، وتجعل الوجه الأسود نذير شؤم ومبعث الكرب والقلق.
-         البياض دليل بركة وصفاء وطهارة حسب سفر التكوين:
خلافا للصورة القاتمة التي اتخذتها شخصية حام ابن نوح وذريته من بعده في العهد القديم، نجد أن: "سام أبو كل بني عابر أخو يافث الكبير، ولد له أيضا بنون"[7] فعابر هذا هو ابن حفيد سام، وعابر من عبر وهو جد العبرانيين، وسام هنا ينسب لأهم أحفاده وهو عابر؛ فمنه جاء إبراهيم وإسحاق ويعقوب ومن نسله جاء المسيح بالجسد[8]. فالبركة تسلسلت من نوح لسام لعابر كما تسلسلت اللعنة من كنعان لأسرته، ومن نسل عابر أيضا العرب والآراميين، وغالبا كان عابر ذلك الرجل الصالح البار ونقل بره لأولاده[9].
وإن آيات سفر التكوين وما تتضمنه بخصوص المقارنة بين الحاميين "السود" والساميين "البيض" تعطي انطباعا صريحا عن المكانة المتفوقة للبيض، وأن ما على السود إلا أن يتقبلوا هذه الحقيقة المقدسة:  فكون الإنسان أسود تعني أنه ملعون أو بالأحرى ورث لعنة أسلافه، وأن يكون أبيض فقد ورث امتيازات عظيمة من شرف النسب والانتماء والبركة، وأن البشرة البيضاء عنوان النقاء والصفاء والنور الإلهي.
إذا، ما من شك أن العهد القديم قد شكل أحد أكبر مصادر تفسير فكرة استعباد البيض للسود، لآن المؤمنين باليهودية سيأخذون كل هذا التعاليم على أنها حقيقة بديهة لا تقبل الجدل. ولعل أكبر دليل على ذلك مأساة السود في إسرائيل التي تعكس بحق واقع تأثير هذا التمييز في تحديد العلاقات بين البيض والسود.
-  اليهودية السوداء
إن الحديث عن اليهود السود مجال سجال كبير ومعقد. إذ يزعم هؤلاء بأن أنبياء اليهود كانوا من السود، وإسرائيل القديمة كانت دولة سوداء، وأن قناة السويس ما هي إلا ثغرة صنعها الإنسان الأبيض لفصل إسرائيل عن أفريقيا السوداء[10]. ومن بين نماذج الجماعات السوداء والتي خلقت لنفسها هوية يهودية سوداء نجد "الأيايودايا" في أوغندا و"الايبو" في نيجيريا و"اللمبا" في الجنوب الإفريقي و"الفلاشا" في إثيوبيا. كما يلاحظ وجود بعض الجماعات الصغيرة الأخرى في دول مثل غانا والكاميرون تمارس بعض أشكال الطقوس اليهودية[11].
 وعلى الرغم من صعوبة الحسم علميا في مسألة التلاقي بين "اليهودية وأفريقيا"، فأن بعض الدراسات تحاول تأكيد ذلك بالإشارة إلى نصوص وروايات دينية حول القبائل الإسرائيلية المفقودة، أو يذكر اللقاء الذي حصل بين نبي الله سليمان وبلقيس ملكة سبأ[12].
وقد استمر السود اليهود بتقديم براهينهم وحججهم حول حقيقة يهوديتهم الأصلية من أجل "صناعة" الاعتراف بهم، وتعد جماعة "الفلاشاه" في إثيوبيا أكثر الجماعات التي استأثرت بالدراسات التاريخية والأنثروبولوجية في هذه المسالة. ويعود أصل هؤلاء "الفلاشاه" في اللغة إلى الجذر "فلاشا" في اللغة الجعزية، ويعني (يهاجر) أو يهيم على وجهه[13]، ويستخدم أهل إثيوبيا الكلمة للإشارة إلى جماعة إثنية عرقية تدين بشكل من أشكال اليهودية، وهي لا تنتمي إلى أي من الكتل اليهودية الكبرى الثلاث: الاشكناز والسفارد ويهود العالم الإسلامي. ويشير "الفلاشاه" إلى أنفسهم بوصفهم بيت إسرائيل.[14]
وبالرغم من أن الدراسات البيولوجية تؤكد على وجود اختلافات كبيرة بين اليهود، فإن هناك ـ حسب "رافاييل باتالا" ـ محاولات متواصلة لعزل اليهود بطريقة ما بوصفهم كيانا واضح المعالم، لتصبح بذلك فكرة الجنس اليهودي مجرد سياسة إيديولوجية تتخذ لتحقيق مآرب وأهداف سياسية. فيقول في هذا الصدد: "أظهرت نتائج أبحاث علم الأجناس البشرية أنه خلافا للرأي الشائع- ليس هناك جنس يهودي حيث تدل قياسات الأجسام البشرية التي أجريت على مجموعات من اليهود أنهم يختلفون بعضهم عن  بعض اختلافا بينا في كل الخصائص الجسدية الهامة: القامة، الوزن، لون البشرة، الدليل الرأسي، الدليل الوجهي، فصائل الدم..إلخ[15].
 ويرى "فيشريخ" ـ في السياق نفسه عندما حاول الإجابة عن سؤال: هل اليهود جنس نقي تغير نوعا ما بمؤثرات بيئية أم أنهم طائفة دينية مؤلفة من عناصر عرقية متعددة؟ ـ بأن النقطة الحاسمة في أنثروبولوجيا اليهود هي أنه، وابتداء من الدليل الوارد في الكتاب المقدس وما رددته الروايات، يبدو أنه حتى في بداية تكوين قبيلة بني إسرائيل كان هؤلاء يتألفون فعلا من عناصر عرقية مختلفة. ويضيف بأنه نجد في آسيا الصغرى وسوريا وفلسطين في ذلك العصر كثيرا من الأجناس، نجد الحيثيين وكانوا جنسا أسمر البشرة، يحتمل أنهم من نمط منغولي، ونجد الكوشيين cuschistes وهم جنس شبه زنجي، ونجد أجناسا كثيرة أخرى، هذا وقد تزاوج العبرانيون القدامى مع كل هؤلاء كما تشهد على ذلك فقرات كثيرة وردت في الكتاب المقدس[16]، وقد استدل على ذلك بزواج أنبياء من بني إسرائيل من نساء غير إسرائيليات (ابراهيم وزاوجه من المصرية هاجر، يوسف وزاوجه من أسينات ابنة الكاهن، موسى زواجه من فتاة من مدين اسمها زيبورا[17]،.أما الملك سليمان التي كانت أمه حبشية، فقد أحب نساء عربيات كثيرات بمن فيهن ابنة فرعون وموابيات وعمونيات وأدوميات وحيدونيات وحيثيات[18].
وعطفا على ما سبق، إن فكرة الصفاء العرقي لليهود أمر مرفوض بشهادة الدراسات والأبحاث العلمية والتاريخية. أما وضع "الفلاشاه" وباقي الزنوج العبرانيين في إسرائيل، فلا يزال مقلقا بالنظر لما تعانيه من سياسة التمييز والاضطهاد العنصري في حياتها اليومية، والذي دفعها إلى العزلة في أماكن خاصة بها[19].
إذا، إن صورة السود في الثقافة اليهودية متأثرة بما ورد في كتبهم الدينية وبطبيعة علاقتهم بها. فالعهد القديم ربط سواد الإنسان بلعنة النبي نوح على حام وذريته من بعده، والتلمود كرس حالات من عدم الاعتراف بغير اليهود سواء أكانوا بيضا أم سودا، والعديد من الجماعات اليهودية اتخذت من التلمود إطارا مرجعيا  وجعلوا مجمل سلوكياتهم ومواقفهم  ـ كما قال فابيان في كتابه التلمود البابلي ـ مؤسسة إلى حد كبير حتى هذا اليوم على التعاليم والأسس التلمودية، فطقوسهم وصلواتهم واحتفالاتهم وقوانين زواجهم بالإضافة إلى قوانين وأسس أخرى كثيرة.. مستخرجة من التلمود[20]. وبذلك، تكون العقيدة اليهودية قد لعبت دورا كبيرا في إقامة حدود تميييزية بين البيض والسود وإذكاء الصراع بينهم.

[1] - مفهوم يحيل على كل من ليس يهودي الديانة والانتماء.
[2] - محمد، علي البار،: المسيح المنتظر وتعاليم التلمود، الدار السعودية للنشر والتوزيع، ط1،1987، ص 7.
[3] - كنعان؛ هو الابن الأصغر لحام وقد انتقلت اللعنة إليه باعتباره تعبيرا عن  كون الأجيال التي ستأتي فيما بعد والتي ستنتسب إليه ستطالهم اللعنة نفسها والتي ستظهر أولا في لون بشرتهم السوداء.
[4] سفر التكوين، الاصحاح التاسع تم تحميله من موقع: http://st-takla.org/
[5] نمرود هو إبن أو حفيد  كوش  وهذا الأخير بدوره أحد أبناء حام، وقد اشتهر نمرود بجبروته حتى صار مضربا للأمثال، لذلك يقال كنمرود وجبار صيد.
سفر التكوين، الاصحاح التاسع، تم تحميله من موقع: http://st-takla.org/
[7] لآية 21 في سفر التكوين
[8] شرح سفر التكوين ص 102
[9]  سفر التكوين، نفس المرجع ص102
 [10]  ـ سفر التكوين نفس المرجع السابق، ص .224
[11] - حمدي، عبد الرحمان، "اليهودية السوداء وأوهام العودة". الموقع الإلكتروني www.aljazeera.net يوم 19-01-2010
[12] - حمدي عبد الرحمان، اليهودية السوداء وأوهام العودة، نفس المرجع السابق.
[13]  ـ موسوعة الملل والأديان، النسخة الإلكترونية،الموقع الإلكتروني:  www.dorar.net درر. نيت، الفلاشاه: تاريخ وهوية ( المشرف العام على الموسوعة هو؛ علوي بن عبد القادر ، تاريخ نشر المقال يوم 14 غشت 2007.
[14]  - موسوعة الملل والاديان، نفس المرجع السابق.
[15] - آرثر، كيستلر، القبيلة الثالثة عشرة ويهود اليوم، ترحمة. أحمد نجيب هاشم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1991 ص 182.
[16] - نفسه، القبيلة الثالثة عشرة ويهود اليوم، ترحمة. أحمد نجيب هاشم ،ص 184.
[17] - جاء كذلك في العهد القديم (الإصحاح الثاني عشر) أن موسى النبي تزوج امرأة سوداء كوشية Moses had » married a cushite woman and Mariam and Aron criticized him for that »
[18] آرثر، كيستلر، القبيلة الثالثة عشرة ويهود اليوم، نفس المرجع السابق، ص 185
[19] - حمدي، عبد الرجمان،"اليهودية السوداء وأوهام العودة". الموقع الإلكتروني www.aljazeera.net يوم 19-01-2010 مرجع سابق :

[20] - عبد البار، المسيح المنتظر وتعاليم التلمود، مرجع سابق،  ص .54

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق